عبد اللطيف البغدادي
106
التحقيق في الإمامة وشؤونها
يجيب بعض المفسرين والمحدثين عن هذا الإشكال الحقيقي البيّن ببعض الأحاديث ، وينسبونها إلى النبي ( ص ) ومضمونها : أن هذه الأمة تشهد على الأمم الماضية كأمة نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، حيث إن هذه الأمم تنكر أن يكون قد جاءَهم نذير ورسول من الله ، يقولون : ما آتانا من نذير ، وما آتانا من أحدٍ ، فيقال للرسول ك ( نوح وغيره ) : هل بلّغت ؟ فيقول : نعم ، فيقال له : من يشهد لك ؟ فيقول : محمّد ( ص ) وأمته ، فيدعى بمحمّد وأمته فيقال لهم : هل بلّغ هذا قومه ؟ فيقولون : نعم ، فيقال : ما علمكم ؟ جاءَنا نبينا فأخبرنا إن الرسل قد بلّغوا ، فذلك قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ( أي عدلاً ( 1 ) . وأقول : على فرض صحة هذا الخبر ، فالقرينة دالة على أنّ الأمة الشاهدة مع نبيها إنما هم أهل بيته أئمة الهدى الاثني عشر ، لا الأمة كلها يدعى بها لتشهد ، فإن هذا غير معقول ولا مقبول ، هذا من جهة . ومن جهةٍ ثانية إنّ الشاهد يجب أنْ يكون عادلاً وإلاّ لا يصح الاستشهاد به في الدنيا فضلاً عن الآخرة ، قال تعالى : ( وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ( [ الطلاق / 3 ] . والحال الأمة الإسلامية - بحكم الضرورة والبداهة - فيها العادل والظالم ، والمؤمن والمنافق ، والبر والفاجر ، فكيف يستشهد الله تعالى بهم جميعاً ؟ هذا ما لا يرتضيه العقل ويخالف الوجدان والذوق والمنطق السليم ، والتحليل العلمي ويخالف أيضاً القرآن العظيم ، يقول تعالى
--> ( 1 ) راجع تفسير ( مفاتيح الغيب ) للرازي ج 2 ص 9 ، و ( البيضاوي ) ج 1 ص 195 ، و ( الدر المنثور ) للسيوطي ج 1 ص 144 ، و ( ابن كثير ) ج 1 ص 191 وغيرها .